تمكين الناس من اتخاذ خيارات أفضل لأنفسهم: قصة نجاح وحدة الاقتصاد السلوكي في بريطانيا
July 13, 2017
كيف يعمل العقل؟
February 22, 2018

ماعلاقة الدراسات التجريبية بالاقتصاد السلوكي؟

في عام 1747 م قام الدكتور James Lind  باستخدام الدراسات التجريبية Randomized Controlled Trials لأول مره في علاج ما يسمى بمرض بارلو او نقص فيتامين سي في الجسم، توالى استخدام هذه المنهجية في المجال الصحي على نطاق واسع وذلك لتحديد العلاجات الفعالة وذلك عن طريق تقسيم الفئة المستهدفة الى مجموعات عدة او مجموعتين عشوائية احدها ما يسمى المجموعة الضابطة Control Group ولا يتم اخضاعها لأي تدخل او تأثير بينما تخضع المجموعة الأخرى وتسمى بـ(المجموعة المعالجة) Intervention Group الى عدة تدخلات معينة لقياس التأثيرأت التي تطرأ عليها ومقارنة النتائج بالمجموعة الضابطة (كما في الشكل 1).

RCT-updated

استخدمت ذات المنهجية في العلوم السلوكيه لقياس تدخلات وتأثيرات معينة على سلوك الأفراد حيث تعتبر التجارب العشوائية او التجريبية بديلاً أكثر رصانة يمكن استخدامه لتقييم واختبار الكثير من السياسات المدنية قبل تعميمها ، ففي المملكة المتحدة قررت إدارة خدمات المحاكم بالتعاون مع فريق الخبراء السلوكيين Behavioral Insight Team  الذي قامت الحكومة البريطانية بتشكيلة لتحسين فاعلية البرامج الحكومية بإجراء تجربة لاختبار ما إذا كان ارسال رسالة قصيرة الى الافراد الذين تأخروا في دفع الغرامات والعقوبات المالية قبل ارسال مندوب المحاكم لتحصيلها ناجحاً ام لا، في البداية تم تقسيم الافراد الى خمسة مجموعات:

 المجموعة الأولى: وهي المجموعة الضابطة – Control group

والمجموعات الأخرى التي سيتم تجربة التدخلات والتأثيرات عليها intervention groups  الى اربع مجموعات:

 1) مجموعة يتم فيها ارسال رسالة تذكيرية عادية

 2)مجموعة ثانية يتم رسالة تذكيرية عادية + المبلغ المطلوب

 3) مجموعة ثالثة يتم ارسال رسالة تذكيرية + اسم الشخص

 4) مجموعة اخيرة يتم رسالة تذكيرية +اسم الشخص + المبلغ المطلوب

أظهرات نتائج التجربة تأثيرا كبيرا في ارسال الرسائل على استجابة الافراد و اقبالهم على دفع المبالغ و الغرامات المالية المتأخرة خصوصا عندما تكون الرسالة ذات طابع يظهر الاهتمام بالشخص من خلال ذكر اسمه في الرسالة ، ساهم ارسال الرسائل ذات الطابع الشخصي عن الرسالة العادية في جمع 3 مليون جنيه إسترليني سنوياً، وبلاشك هو أفضل من عدم ارسال أي رسالة، بالإضافة الى الوفر المالي المتحقق من ارسال هذه الرسالة أكدت إدارة خدمات المحاكم أن ارسال الرسائل خفض من حاجتها لارسال عامليها بــ 150000  مرة سنوياً لجمع المبالغ المطلوبة (تم اعادة التجربة مرتين للتأكد من النتائج).

RCT

استخدمت المنهجية أيضا في قطاع الاعمال من قبل العديد من الشركات لاختبار إمكانية نجاح المنتجات الجديدة، فعلى سبيل المثال تظهر تجربة أجريت على عملاء شركات التأمين أن كتابة الأسم وتوقيع الاتفاقية أعلى النموذج يحسن من مصداقية العملاء عند اعطائهم معلومات عن استخدامهم لخدمات التأمين عوضاً عن التوقيع أسفل النموذج !

كما يمكن استخدام المنهجية لتكون أداة فعاله في التعرف على التوجه الأمثل لاستخدام الموارد ،ففي احدى الدراسات التي اجريت للتعرف على التدريب المناسب لزيادة انتاجية المنشآت الصغيرة ، قام الباحثين بتقسيم أصحاب الشركات الصغيرة الى ثلاث مجموعات، الأولى لن تحصل على أي تدريب و هي المجموعة الضابطة أو المتحكم بها Controlled و المجموعتان الاخريتان سيتم تجربة احد التأثيرات عليها من خلال اجراء تدريب على مهارات التسويق و البيع على احداها و تدريب الأخرى على المهارات المالية و المحاسبية، وجد الباحث أن هناك تأثير إيجابي على المجموعات المدربة، حيث اتضح ان الربحية تتأثر بنسب متقاربة لكن التدريب المكثف على مهارات التسويق و البيع يضاعف الربحية من خلال زيادة المبيعات و التوظيف و هو ما يعني التركيز على النمو، في حين وجد ان التركيز على التدريب المالي و المحاسبي يزيد الربحية من خلال التركيز على خفض التكلفة مما يعني رفع الكفاءة.

آلية تنفيذ الدراسات التجريبية

تعتبر المنهجية من أفضل المنهجيات المستخدمة من ناحية التكلفه على المدى الطويل خصوصا في الاوقات التي تضطر فيها الحكومات الى خفض الموازنة الماليه عند العمل بسياسات التقشف المالي ولضمان التأثير الفعال للسياسات المتخذة بناء على الادلة والبراهين.

يمكن تلخيص المنهجية في ثلاث خطوات 1) الاختبار، 2) التعلم 3) المراجعة والاستفادة من النتائج.  وتقع في تسعة خطوات فرعية يمكن اتباعها للوصول الى الهدف:

1) الاختبار

تحديد اثنان أو اكثر من التدخلات المطلوبة لمقارنتها

يمكن اختبار العديد من التدخلات من خلال المقارنة بينها و اختبار تأثيرها لتحديد التدخل الأنسب.

تحديد المخرجات المتوقعة لكل التدخلات المقترحة للتأثير في سلوك الافراد (او المنظمات) في التجربة وكيف يمكن قياسها.

يجب تحديد ماهي النتائج المرجوة والمتوقع الحصول عليها بعد عمل التدخلات، ليكون الهدف واضحاً و ليسهل قياس النتائج ومعرفة حجم التأثير للتدخلات المقترحة.

تحديد الفئة المستهدفة مثلا أفراد، مؤسسات أو مناطق جغرافية.

يجب تحديد النطاق المراد العمل عليه، أفراد، مؤسسات أو مناطق جغرافية، تحديد النطاق يحدد وفقاً لاعتبارات عملية وقد يكون من المفيد استشارة الاكاديميين المتخصصين في تحديد النطاق المراد العمل عليه، تحديد النطاق المراد العمل عليه قد يكون له تأثير سلبي اذا لم يُعرّف بشكل جيد.

تحديد الأعداد للفئات المستهدفة (أفراد، مؤسسات، المناطق) للوصول لنتائج موثوقة

ينبغي ان يكون حجم العينة كافياً للتأكد من موثوقية النتائج، فكلما كان حجم العينة كبيراً كلما كنا متأكدين من موثوقية النتائج التي تم التوصل إليها وهو ما يمكننا من استخلاص نتائج يمكن من بناء السياسات على أساس متين.

 التأكد من أن كل مجموعة يتم تعريضها لنوع واحد من التدخلات

لاغراض علمية ينبغي التأكد من اخضاع كل مجموعة لنوع واحد فقط من التدخلات ليسهل قياس الأثر، أيضا يُفترض ان التوزيع بحسب المجموعات كان على أساس عشوائي لتفادي تأثير العديد من العوامل مثل العوامل الاجتماعية المرتبطة بالجنس و العمر الخ.

عمل التدخل المقترح على المجموعة المراد اختبار التأثير عليها

في هذه الخطوة يتم البدء بعمل التدخلات المقترحة على النطاق الذي تم تحديده (افراد، موسسات، مناطق جغرافية)، أحد أهم الاعتبارات في هذه المرحلة هي وجود نظام لجمع المعلومات لمراقبة تأثير كل تدخل و قياس الأثر.

2) التعلم

 قياس النتائج و تحديد تأثير التدخلات

تستخدم هده المرحلة لفهم نتائج التأثيرات والتدخلات السلوكية ومعرفة ما هو الأنسب منها، من المهم تحديد التوقيت و طريقة قياس الأثر قبل تقسيم المجتمع الى مجموعتين على أساس عشوائي، حيث تختلف فترة التقييم بحسب نوع التدخل، بعض التدخلات قد يكون من الجيد جمع بيانات كيفية من المشاركين في التجربة لتحسين عمل التدخلات في المستقبل او لأغراض اقتراح قضايا بحثية أخرى.

3) المراجعة والاستفادة من النتائج

 مراجعة السياسات والاستراتيجيات القائمة و التدخلات التي تمت لتعكس النتائج.

قد يكون من السهل المضي قدماً في تطبيق التدخلات التي تم التوصل الى نتائج إيجابية حولها، التحدي هو في مراجعة السياسات و التدخلات القائمة بعد ثبوت عدم فاعليتها، ولذلك يجب عرض النتائج و الاستفادة منها على أعلى المستويات و العمل على الاستفادة من النتائج للمضي قدما في تعميم نتائج التجربة اما بتنفيذ التدخلات على نطاق أوسع، أو بمراجعة السياسات و البرامج و الاستراتيجيات السابقة.

العودة الى الخطوة رقم 1 للتحسين المستمر و فهم ما التدخلات التي تعمل والتي لا تعمل

في النهاية، تعتبر هذه العملية عملية مستمرة لأغراض التحسين و تهذيب السياسات و البرامج لتحقيق أهدافها و بناء السياسات و البرامج على الأدلة و البراهين العلمية.

المراجع :

Anderson-Macdonald, Stephen, Rajesh Chandy, and Bilal Zia. The Impact of Marketing (versus Finance) Skills on Firm Performance: Evidence from a Randomized Controlled Trial in South Africa. Mimeo. London Business School, 2014.

Haynes, Laura, Ben Goldacre, and David Torgerson. “Test, learn, adapt: developing public policy with randomised controlled trials.” Cabinet Office-Behavioural Insights Team (2012).

Team, Behavioural Insights. “Behavioural Insights Team annual update 2013–15.” Cabinet Office: London, UK (2015).

Shu, Lisa L., et al. “Signing at the beginning makes ethics salient and decreases dishonest self-reports in comparison to signing at the end.”Proceedings of the National Academy of Sciences 109.38 (2012): 15197-15200.